الشيخ علي المشكيني

94

رسائل قرآنى

وقال تعالى : وَعِبَادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً « 1 » . الهون : السكينة والتواضع ، والمراد أنّ مشيهم العملي وسيرتهم الأخلاقيّة مع أهل الأرض ليس مشي المتكبّرين وسيرة الجبّارين . وقال تعالى : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً « 2 » . والمراد بإرادة العلو والفساد هنا قصد التسلّط المحرّم على الناس ، والإفساد بينهم ، مع التجرّي عملًا على طبق ذلك القصد ، لا مجرّد الإرادة القلبيّة ، وإن كانت قبيحة أيضاً بالقبح الفاعلي . البحث الرابع والأربعون : لا تنعدم فيها الأعمال إنّها هي التي لا تنعدم ولا يُفقد ولا تضلّ فيها الفعلة الصادرة من ساكنيها المكلّفين ، من الجِنّة والناس أجمعين ، حسنة كانت أو قبيحة ، أكانت في أخفى مكان منها وأدقّ محلّ ، من جوف صخرة ، أو بطن واد ، أو قعر بحر ، أم كانت ظاهرة بارزة ، فيحضرها اللَّه يوم القيامة ويحاسب عليها ؛ فما أشبه أفعال الناس بأجسامهم ، فكما لا تضلّ الأبدان ولا تنعدم وتجمع وتحشر ، فكذلك أفعالهم . قال تعالى : يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ « 3 » . والمراد أنّ جميع ما يصدر من المكلّف ممّا يحسب أمراً اختياريّاً له في أيّ مكان من الأرض وأيّ زمان ، سواء أكانت عقائد قلبيّة ، أم سجايا نفسيّة ، أم أعمالًا جوارحيّة ، يؤتى به يوم القيامة ، ويقع مورداً للسؤال عنه ، كما في قوله : إِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبَكُم بِهِ اللَّهُ « 4 » وإن كان هذا راجعاً إلى خصوص ما في النفس من التصوّرات والتصديقات الاختياريّة ، والأخلاق والسجايا الباطنيّة . وقال تعالى : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ « 5 » .

--> ( 1 ) . الفرقان ( 25 ) : 63 . ( 2 ) . القصص ( 28 ) : 83 . ( 3 ) . لقمان ( 31 ) : 16 . ( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 284 . ( 5 ) . الزلزلة ( 99 ) : 7 - 8 .